الزكاة والضريبة: سبعة فروق في البنية
الزكاة تجب في المال المدخر بعد حول كامل بنسبة ثابتة قدرها ٢٫٥ بالمئة، لثمانية أصناف سماها القرآن. أما ضريبة الدخل فتقع على الكسب. بيان مواضع اتفاق المقارنة ومواضع انقطاعها.
الزكاة والضريبة: سبعة فروق في البنية
الزكاة تجب في المال الباقي عند صاحبه بعد حول قمري كامل، بنسبة ثابتة قدرها ٢٫٥ بالمئة، وتصرف إلى ثمانية أصناف سماها القرآن في آية واحدة. وضريبة الدخل تقع على ما كسبه المرء خلال العام، بنسب يقررها المشرع كل سنة، وتصب في الموازنة العامة. فالوعاء مختلف في الأصل، وعن هذا الاختلاف تتفرع سائر الفروق.
يكثر تشبيه الزكاة بالضريبة لأنه يلامس أمرا صحيحا: الزكاة تنقل المال فعلا من واجد إلى فاقد. غير أن التشبيه ينقطع سريعا، وعند انقطاعه يصير مضللا. وفيما يلي موضع صحته وموضع انقطاعه.
أولا: الوعاء مال مدخر لا كسب جار
هذا هو الفرق الحاكم لما بعده.
ضريبة الدخل تتعلق بالجاري: الراتب والربح والأجرة المقبوضة خلال السنة. ولا أثر عندها لما كان في يدك أول العام.
والزكاة تتعلق بالمدخر: ما بقي في ملكك بعد اثني عشر شهرا قمريا. فالراتب المنفق كله خلال العام لا زكاة فيه أصلا، والمال الراكد في الحساب تتكرر فيه الزكاة كل عام ما دام فوق النصاب.
واقلب القاعدة تجد أمامك سياسة اقتصادية: الزكاة عبء دائم على المال المعطل. فمن استثمر ماله أو شغل به عاملا أو أنفقه نقص وعاؤه، ومن اكتنز عاد عليه الوجوب سنة بعد سنة. وقد صرح القرآن بالمقصود في قوله عن الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله (التوبة، ٩:٣٤).
ثانيا: النسبة ٢٫٥ بالمئة مقررة مرة واحدة
الواجب في النقود ربع العشر، أي ٢٫٥ بالمئة. لا يرفعه قانون مالية ولا يخفضه عجز في الموازنة. هو نفسه على تاجر في كراتشي وعلى موظف في باريس، ونفسه في ٢٠٢٦ وقبل ثلاثة عشر قرنا.
الشرائح التصاعدية تلاحق هدفا في العدالة التوزيعية يعدله المشرع كلما شاء. والنسبة الثابتة تلاحق غاية أخرى: يقين تام لمن يؤدي، واستحالة تثقيلها على أحد.
ولسائر الأوعية نسبها المأخوذة من النصوص نفسها: العشر فيما سقته السماء، ونصف العشر فيما سقي بكلفة، والخمس في الركاز. وتجد تفصيل كل حالة بمصدرها في مصادرنا ومنهجنا.
ثالثا: النصاب حد أدنى مربوط بالمعدن
دون قدر معين من المال لا زكاة أصلا. وهذا الحد هو النصاب، ومقداره ٨٥ غراما من الذهب أو ٥٩٥ غراما من الفضة، على اختلاف بين المذاهب تجد تفصيله في دليل النصاب.
وفيه خاصتان جديرتان بالتأمل.
الحد قطعي لا تدريجي. فمن نقص ماله عن النصاب بدرهم واحد فلا شيء عليه البتة، وليس ثم شريحة دخول ولا تخفيف تدريجي.
والحد مربوط بمعدن لا بعملة. فالشريحة الضريبية المقدرة بالعملة تفقد من قيمتها الحقيقية كل عام بالتضخم، وأمر تعديلها موكول إلى المشرع. أما النصاب فيتبع سعر المعدن، فيعيد تقويم نفسه بغير قرار من أحد. ويمكنك التحقق من قيمته اليوم في حاسبة زكاة الذهب.
رابعا: الحول اثنا عشر شهرا قمريا
لا تشترط ضريبة معاصرة مدة معينة لحيازة المال قبل فرضها عليه. والزكاة تشترط ذلك: لا بد أن يمر على المال حول قمري كامل وهو فوق النصاب.
والسنة القمرية نحو ٣٥٤ يوما، تنقص عن الشمسية أحد عشر يوما. فموعد الزكاة يتقدم كل عام في التقويم الميلادي، ويعود إلى التاريخ نفسه كل أربعة وثلاثين عاما تقريبا. فمن كان موعده في مارس ٢٠٢٦ صار موعده أواخر فبراير ٢٠٢٧. وفي دليل الحول تفصيل الأحكام.
ولاشتراط المدة أثر خفي مهم: إعفاء المال المتحرك. فما دخل وخرج خلال العام لا يتم عليه حول قط.
خامسا: ثمانية مصارف مسماة
الضريبة تمول موازنة، ثم يوزعها البرلمان كما يرى، ويتبدل التوزيع من عام إلى عام.
وللزكاة قائمة مصارف مغلقة، جاءت في آية واحدة (التوبة، ٩:٦٠):
- الفقراء؛
- المساكين؛
- العاملون عليها؛
- المؤلفة قلوبهم؛
- في الرقاب؛
- الغارمون؛
- في سبيل الله؛
- ابن السبيل.
وصرف الزكاة في غير هذه الأصناف الثمانية لا يبرئ الذمة. فبناء مسجد وتمويل مدرسة وإغاثة منكوب أعمال فاضلة كلها، لكنها صدقة لا تجزئ عن الفريضة. وفي دليل مصارف الزكاة بيان كل صنف بأقوال المذاهب الأربعة.
سادسا: النية ولا نظير لها في الضريبة
لا تعنى إدارة الضرائب بما في نفسك. أديت كارها أو غالطا أو باقتطاع آلي بلا انتباه، فقد برئت الذمة.
والزكاة تفتقر إلى نية تقارن الأداء. فلو دفعت المبلغ نفسه إلى الشخص نفسه بلا نية لم يقع زكاة. وقد اختلف الفقهاء في الفروع: أتلزم النية عند الدفع أم تجزئ متقدمة عليه؟ ولم يستغن عنها مذهب.
وهذا الشرط ينقل الزكاة إلى باب غير باب الجباية. فهي الركن الثالث من أركان الإسلام، عبادة كالصلاة، وأثرها في توزيع الثروة ثمرة مقصودة لا حد لها.
سابعا: حق ثابت لا تبرع
لغة الضرائب تفصح عن تصورها: مكلف، ومساهمة، واقتطاع. فالكلمة تفترض أن المال لك أولا، ثم ينتزع منك جزء منه.
والقرآن يصف الأمر على العكس. ففي مال المؤمن حق معلوم للسائل والمحروم (المعارج، ٧٠:٢٤-٢٥). فحق الفقير ثابت في المال قبل الأداء. فالمؤدي لا يتنازل عن شيء كان له، وإنما يسلم إلى صاحبه ما كان له.
والاسم نفسه يشهد لذلك. فمادة زكو تدور على التطهير والنماء. والمال المزكى موصوف بالطهارة، وقد قابل القرآن في سورة الروم (٣٠:٣٩) بين الربا الذي لا يربو عند الله وبين الزكاة التي يضاعفها.
جدول المقارنة
| الزكاة | ضريبة الدخل | |
|---|---|---|
| الوعاء | المال المملوك المدخر | الدخل المقبوض |
| النسبة | ٢٫٥ بالمئة في النقود، ثابتة | شرائح تصاعدية تقرر سنويا |
| الحد الأدنى | النصاب: ٨٥ غراما ذهبا أو ٥٩٥ غراما فضة | شرائح بالعملة |
| الربط | بالمعدن، تلقائيا | بقرار المشرع |
| مدة الحيازة | الحول: ١٢ شهرا قمريا | لا تشترط |
| المصارف | ثمانية أصناف مغلقة (التوبة ٩:٦٠) | الموازنة العامة |
| النية | شرط | لا أثر لها |
| الوصف الشرعي | حق ثابت للمستحق في المال | دين للدولة على المكلف |
ما يبقى صحيحا في المقارنة
رد لفظ الضريبة لا يعني إنكار الأثر الاقتصادي.
فاقتطاع سنوي قدره ٢٫٥ بالمئة من المال الراكد، يصرف إلى أصناف محددة بالحاجة، ينقل الموارد بالضرورة من مالكي رأس المال إلى من لا رأس مال له. ولما كان واقعا على المدخر لا على الجاري، فهو يثبط الاكتناز لا العمل، وذلك عكس ما تفعله ضريبة دخل مرتفعة.
وهنا تثمر المقارنة: لا لتصنيف الزكاة في باب ضريبي، بل لقياس ما ينتجه نظام قائم على مقدمات أخرى. ولهذا يدرسها الاقتصاديون، لا لأنهم يرونها صورة من ضريبة الثروة.
للاستزادة
في دليل الزكاة ٢٠٢٦ مجمل أحكام الحساب، وفي دليل النصاب بيان الاختيار بين معيار الذهب ومعيار الفضة وأثره في المقدار الواجب. وتجد في مصادرنا ومنهجنا نص كل حكم تطبقه الحاسبة.
وإن وقفت على خطأ أو تسامح في نقل قول مذهب فاكتب إلينا على [email protected]. وكل تصويب يرد يعمل به ويؤرخ.